الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

61

مختصر الامثل

قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 105 ) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) ليس من واجبك الإكراه : تعتبر هذه الآيات نتيجة للآيات السابقة ، ففي البداية تقول : « قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ » . « بصائر » : جمع « بصيرة » من « البصر » بمعنى الرؤية ، ولكنها في الغالب رؤية ذهنية وعقلانية ، وهذه الكلمة في هذه الآيات تعني الدليل والشاهد ، وتشمل جميع الدلائل التي وردت في الآيات السابقة ، بل إنّها تشمل حتى القرآن نفسه . ثم لكي تبين أنّ هذه الأدلة والبراهين كافية لإظهار الحقيقة لأنّها منطقية ، تقول : « فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا » . أي إنّ إبصارهم يعود بالنفع عليهم وعماهم يسبب الإضرار بهم . وفي نهاية الآية تقول ، على لسان النبي صلى الله عليه وآله : « وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ » . الآية التالية تؤكد أنّ اتخاذ القرار النهائي في إختيار طريق الحق أو الباطل إنّما يرجع للناس أنفسهم ، وتقول : « وَكَذلِكَ نُصَرّفُ الْأَيَاتِ » « 1 » . أي كذلك نبين الأدلة والبراهين بصور وأشكال متنوعة . لكن جمعاً عارضوا ، وقالوا - دونما دليل وبرهان - إنّك تلقيت هذا من الآخرين ( أي اليهود والنصارى ) : « وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ » . إلّا أنّ جمعاً آخر ممن لهم الاستعداد لتقبل الحق لما لهم من بصيرة وفهم وعلم ، يرون وجه الحقيقة ويقبلونها : « وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » . إنّ اتهام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بأنّه إقتبس تعاليمه من اليهود والنصارى قد تكرر من جانب المشركين ، وما يزال المعارضون المعاندون يتابعونهم في ذلك ، مع أنّ حياة الجزيرة العربية لم تكن فيها مدرسة ولا درس ليتعلّم منها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله شيئاً كما أنّ رحلاته إلى خارج

--> ( 1 ) « نصرف » : من « التصرف » وهو بمعنى ردّ الشيء من حالة أو إبداله بغيره ، أي إنّ الآيات تنزل في صوروأشكال متنوعة ولمختلف المستويات العقلية والعقائدية والاجتماعية .